صفاء الروح مراقب عام
عدد الرسائل : 3955 بلد الإقامة : أرض الإسلام احترام القوانين : العمل : الحالة : نقاط : 9810 ترشيحات : 102 الأوســــــــــمة :
| موضوع: رد: كتاب الملخص الفقهي 5/1/2010, 16:28 | |
| حكم المتخلف عن صلاة الجماعة وما تنعقد به صلاة الجماعة
إن المتخلف عن صلاة الجماعة إذا صلى وحده؛ فله حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون معذورا في تخلفه لمرض أو خوف، وليس من عادته التخلف لولا العذر، فهذا يكتب له أجر من صلى في جماعة لما في الحديث الصحيح : إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما فمن كان عازما على الصلاة مع الجماعة عزما جازما، ولكن حال دونه ودون ذلك عذر شرعي؛ كان بمنزلة من صلى مع الجماعة؛ نظرا لنيته الطيبة . والحالة الثانية : أن يكون تخلفه عن الصلاة مع الجماعة لغير عذر؛ فهذا إذا صلى وحده، تصح صلاته عند الجمهور، لكنه يخسر أجرا عظيما وثوابا جزيلا؛ لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وكذلك يفقد أجر الخطوات التي يخطوها إلى المسجد، ومع خسرانه لهذا الثواب الجزيل يأثم إثما عظيما؛ لأنه ترك واجبا عليه من غير عذر، وارتكب منكرا يجب إنكاره عليه وتأديبه من قِبل ولي الأمر، حتى يرجع إلى رشده .
أيها المسلم ! ومكان صلاة الجماعة هو المساجد؛ لإظهار شعار الإسلام، وما شُرعت عمارة المساجد إلا لذلك، وفي إقامة الجماعة في غيرها تعطيل لها :
وقد قال الله تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
وقال تعالى إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ففي هاتين الآيتين الكريمتين تنويه بالمساجد وعمارها، ووعد لهم بجزيل الثواب، .
وفي ضمن ذلك ذم من تخلف عن الحضور للصلاة فيها .
وقد روي أنه : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وعن علي رضي الله عنه مثله، وزاد : وجار المسجد من أسمعه المنادي رواه البيقهي بإسناد صحيح .
قال ابن القيم رحمه الله : " ومن تأمل السنة حق التأمل؛ تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجماعة، فترك حضور المساجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق الأحاديث وجميع الآثار ... " انتهى .
وقد توعد الله من عطّل المساجد ومنع إقامة الصلاة فيها، فقال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وفي إقامة صلاة الجماعة خارج المسجد تعطيل للمساجد أو تقليل من المصلين فيها، وبالتالي يكون في ذلك تقليل من أهمية الصلاة في النفوس، والله تعالى يقول فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وهذا يشمل رفعها حسيا ومعنويا؛ فكل ذلك مطلوب .
لكن إذا دعت حاجة لإقامة صلاة الجماعة خارج المسجد، كأن يكون المصلون موظفين في دائرتهم وفي مجمع عملهم، وإذا صلوا في مكانهم، كان أحزم للعمل، وكان في ذلك إلزام الموظفين بحضور الصلاة وإقامتها، ولا يتعطل من جراء ذلك المسجد الذي حولهم لوجود من يصلي فيه غيرهم، لعله في تلك الحال - ونظرا لهذه المبررات - لا يكون عليهم حرج في الصلاة في دائرتهم .
وأقل ما تنعقد به صلاة الجماعة اثنان؛ دون الجماعة مأخوذة من الاجتماع، والاثنان أقل ما يتحقق به الجمع؛ ولحديث أبي موسى مرفوعا : الاثنان فما فوقهما جماعة رواه ابن ماجه ؛ ولحديث : من يتصدق على هذا . فقام رجل فصلى معه، فقال : وهذان جماعة رواه أحمد وغيره؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث : وليؤمكما أكبركما وحكي الإجماع على هذا .
ويباح للنساء حضور صلاة الجماعة في المساجد بإذن أزواجهن غير متطيبات وغير متبرجات بزينة مع التستر التام والابتعاد عن مخالطة الرجال، ويكنّ وراء صفوف الرجال؛ لحضورهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . ويسن حضورهن مجالس الوعظ ومجالس العلم منفردات عن الرجال .
ويسن لهن أن يصلين مع بعضهن جماعة منفردات عن الرجال، سواء كانت إمامتهن منهن، أو يومهن رجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم ورقة أن تجعل لها مؤذنا، وأمرها أن تؤم أهل دارها رواه أحمد وأهل السنن، وفعله غيرها من الصحابيات، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم : تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجه .
والأفضل للمسلم أن يصلي في المسجد الذي لا تُقَام فيه صلاة الجماعة إلا بحضوره؛ لأنه يحصل بذلك على ثواب عمارة المسجد؛ فقد قال الله تعالى إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .
ثم الأفضل بعد ذلك صلاة الجماعة في المسجد الذي يكون أكثر جماعة من غيره؛ لأنه أعظم أجرا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر، فهو أحب إلى الله رواه أحمد وأبو داود ، وصححه ابن حبان ؛ ففيه أن ما كثر جمعه فهو أفضل؛ لما في الاجتماع من نزول الرحمة والسكينة، ولشمول الدعاء ورجاء الإجابة، لا سيما إذا كان فيهم من العلماء وأهل الصلاح، قال تعالى فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ففيه استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين المحافظين على الطهارة لإسباغ الوضوء . ثم الأفضل بعد ذلك الصلاة في المسجد القديم؛ لسبق الطاعة فيه على المسجد الجديد . ثم الأفضل بعد ذلك الصلاة في المسجد الأبعد عنه مسافة، فهو أفضل من الصلاة في المسجد القريب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة؛ لم يخط خطوة؛ إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد ؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام : يا بني سلمة دياركم تُكتب آثاركم وبعض العلماء يرى أن أقرب المسجدين أولى؛ لأن له جوارا، فكان أحق بصلاته فيه؛ ولأنه قد ورد : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ؛ ولأن تعدي المسجد القريب إلى البعيد قد يحدث عند جيرانه استغرابا، ولعل هذا القول أولى؛ لأن تخطي المسجد الذي يليه إلى غيره ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإحراج لإمامه، بحيث يساء به الظن .
ومن أحكام صلاة الجماعة أنه يحرم أن يؤم الجماعة في المسجد أحد غير إمامه الراتب، إلا بإذنه أو عذره؛ ففي " صحيح مسلم " وغيره : ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه إلا بإذنه قال النووي : " معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره؛ ولأن في ذلك إساءة إلى إمام المسجد الراتب، وتنفيرا عنه، وتفريقا بين المسلمين " .
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا صلى بجماعة المسجد غير إمامه الراتب بدون إذنه أو عذر شرعي يسوغ ذلك، أنها لا تصح صلاتهم، مما يدل على خطورة هذه المسألة، فلا ينبغي التساهل في شأنها، ويجب على جماعة المسلمين أن يراعوا حق إمامهم، ولا يتعدوا عليه في صلاحيته، كما يجب على إمام المسجد أن يحترم حق المأمومين ولا يحرجهم .
وهكذا؛ كل يراعي حق الآخر، حتى يحصل الوئام والتآلف بين الإمام والمأمومين، فإن تأخر الإمام عن الحضور وضاق الوقت، صلوا، لفعل أبي بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما حين غاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فصلى أبو بكر رضي الله عنه، وصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس لما تخلف النبي صلى الله عليه وسلم في واقعة أخرى، وصلى معه النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأخيرة، ثم أتم صلاته ، وقال : أحسنتم .
ومن أحكام صلاة الجماعة أن من سبق له أن صلى، ثم حضر إقامة الصلاة في المسجد؛ سُن له أن يصلي مع الجماعة تلك الصلاة التي أقيمت، لحديث أبي ذر : صل الصلاة لوقتها، فإن أقيمت وأنت في المسجد؛ فَصَلِّ، ولا تقل : إني صليت، فلا أصلي رواه مسلم . وتكون هذه الصلاة في حقه نافلة؛ كما جاء في الحديث الآخر من قوله صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة : فإنهما لكما نافلة ؛ ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به وأنه ليس من المصلين .
ومن أحكام صلاة الجماعة، أنها إذا أقيمت الصلاة - أي : إذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة - لم يجز الشروع في صلاة نافلة لا راتبة ولا تحية مسجد ولا غيرها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة رواه مسلم ، وفي رواية : فلا صلاة إلا التي أقيمت فلا تنعقد صلاة النافلة التي أحرم فيها بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له .
قال الإمام النووي رحمه الله : " والحكمة أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالناقلة؛ ولأنه نهى صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف على الأئمة، ولحصول تكبيرة الإحرام، ولا تحصل فضيلتها المنصوصة إلا بشهود تحريم الإمام " .
وإن أقيمت الصلاة وهو في صلاة نافلة قد أحرم بها من قبل؛ أتمها خفيفة، ولا يقطعها؛ إلا أن يخشى فوات الجماعة؛ لقول الله تعالى وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فإن خشي فوت الجماعة، قطع النافلة؛ لأن الفرض أهم .
يتبع إن شاء الله
|
|
صفاء الروح مراقب عام
عدد الرسائل : 3955 بلد الإقامة : أرض الإسلام احترام القوانين : العمل : الحالة : نقاط : 9810 ترشيحات : 102 الأوســــــــــمة :
| موضوع: رد: كتاب الملخص الفقهي 5/1/2010, 17:01 | |
| باب في الأحكام التي تتعلق بالمسبوق
الصحيح من قولي العلماء أن المسبوق لا يدرك صلاة الجماعة؛ إلا بإدراك ركعة، فإن أدرك أقل من ذلك؛ لم يكن مدركا للجماعة، لكن يدخل مع الإمام فيما أدرك، وله بنيته أجر الجماعة، كما إذا وجدهم قد صلوا؛ فإن له بنيته أجر من صلى في جماعة؛ كما وردت به الأحاديث؛ أن من نوى الخير ولم يتمكن من فعله؛ كُتب له مثل أجر من فعله .
وتدرك الركعة بإدراك الركوع على الصحيح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك الركوع، فقد أدرك الركعة رواه أبو داود ؛ ولما في " الصحيح " من حديث أبي بكرة ، وقد جاء والنبي صلى الله عليه وسلم في الركوع، فركع دون الصف، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الركعة، فدل على الاجتراء بها .
فإذا أدرك الإمام راكعا فإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائما، ثم يركع معه بتكبيرة ثانية، هذا هو الأفضل، وإن اقتصر على تكبيرة الإحرام؛ أجزأته عن تكبيرة الركوع؛ فتكبيرة الإحرام، لا بد من الإتيان بها وهو قائم، وأما تكبيرة الركوع؛ فمن الأفضل الإتيان بها بعدها .
وإذا وجد المسبوق الإمام على أي حال من الصلاة؛ دخل معه؛ لحديث أبي هريرة وغيره : إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئا .
فإذا سلم الإمام التسليمة الثانية؛ قام المسبوق ليأتي بما فاته من الصلاة، ولا يقوم قبل التسليمة الثانية .
وما أدرك المسبوق مع إمامه؛ فهو أول صلاته على القول الصحيح، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : وما فاتكم؛ فأتموا وهو رواية الجمهور للحديث، وإتمام الشيء لا يأتي إلا بعد تقدُّم أوله، ورواية : وما فاتكم؛ فاقضوا لا تخالف رواية : " فأتموا " لأن القضاء يراد به الفعل، لقوله تعالى فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ وقوله تعالى فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فيحمل قوله : " فاقضوا " على الأداء والفراغ ... ، والله أعلم .
وإذا كانت الصلاة جهرية؛ وجب على المأموم أن يستمع لقراءة الإمام، ولا يجوز له أن يقرأ وإمامه يقرأ، لا سورة الفاتحة ولا غيرها؛ لقوله تعالى وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .
قال الإمام أحمد رحمه الله : " أجمعوا على أن هذه الآية في الصلاة " .
فلو أن القراءة تجب على المأموم؛ لما أمر بتركها لسنة الاستماع؛ ولأنه إذا انشغل المأموم بالقراءة؛ لم يكن لجهر الإمام فائدة؛ ولأن تأمين المأموم على قراءة الإمام ينزل منزلة قراءتها؛ فقد قال تعالى لموسى وهارون قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا وقد دعا موسى ، فقال . رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الآية، وأمن هارون على دعائه، فنزل تأمينه منزلة من دعا، فقال تعالى قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فدل على أن من أمن على دعاء؛ فكأنما قاله .
أما إذا كانت الصلاة سرية، أو كان المأموم لا يسمع الإمام؛ فإنه يقرأ الفاتحة في هذه الحال، وبهذا تجتمع الأدلة؛ أي : وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية ... والله أعلم .
ومن أحكام صلاة الجماعة المهمة وجوب اقتداء المأموم بالإمام بالمتابعة التامة له، وتحريم مسابقته؛ لأن المأموم متبع لإمامه، مقتدٍ به، والتابع المقتدي لا يتقدم على متبوعه وقدوته .
وقد قال صلى الله عليه وسلم أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار ؟ ! متفق عليه، فمن تقدم على إمامه؛ كان كالحمار الذي لا يفقه ما يراد بعمله، ومن فعل ذلك؛ استحق العقوبة . وفي الحديث الصحيح : إنما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد وروى الإمام أحمد وأبو داود : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع؛ فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد؛ فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد .
وكان الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لا يحني أحد منهم ظهره حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا، ثم يقعون سجودا بعده .
و ( لما رأى عمر رضي الله عنه رجلا يسابق الإمام؛ ضربه، وقال : لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت ) وهذا شيء يتساءل فيه أو يتجاهله بعض المصلين، فيسابقون الإمام، ويتعرضون للوعيد الشديد، بل يخشى أن لا تصح صلاتهم .
وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال : لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " مسابقة الإمام حرام باتفاق الأئمة، لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله، وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك " .
ومسابقة الإمام تلاعُب من الشيطان ببعض المصلين حتى يخل بصلاته، وإلا؛ فماذا يستفيد الذي يسابق الإمام؛ لأنه لن يخرج من الصلاة إلا بعد سلام الإمام ؟ !
فيجب على المسلم أن يتنبه لذلك، وأن يكون ملتزما لأحكام الائتمام والاقتداء .
نسأل الله للجميع الفقه في دينه والبصيرة في أحكامه، إنه سميع مجيب؛ فإنه من يرد الله به خيرا؛ يفقهه في الدين .
*************
باب في حكم حضور النساء إلى المساجد
إن ديننا كامل وشامل لمصالحنا في الدنيا والآخرة، جاء بالخير للمسلمين رجالا ونساء مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ؛ فهو قد اهتم بشأن المرأة، ووضعها موضع الإكرام والاحترام، إن هي تمسكت بهديه، وتحلت بفضائله .
ومن ذلك أنه سمح لها بالحضور إلى المساجد للمشاركة في الخير من صلاة الجماعة وحضور مجالس الذكر مع الاحتشام والتزام الاحتياطات التي تبعدها عن الفتنة وتحفظ لها كرامتها .
فإذا استأذنت إلى المسجد؛ كُره منعها، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن تفلات رواه أحمد وأبو داود ؛ وذلك لأن أداء الصلاة المكتوبة في جماعة فيها فضل كبير للرجال والنساء، وكذلك المشي إلى المسجد، وفي " الصحيحين " وغيرهما : إذا استأذنت نساؤكم بالليل إلى المسجد؛ فأذنوا لهن ووجه كونها تستأذن الزوج في ذلك؛ لأن ملازمة البيت حق للزوج، وخروجها للمسجد في تلك الحال مباح؛ فلا تترك الواجب لأجل مباح، فإذا أذن الزوج، فقد أسقط حقه، وقوله صلى الله عليه وسلم : وبيوتهن خير لهن أي : خير لهن من الصلاة في المساجد، وذلك لأمن الفتنة بملازمتهن البيوت .
وقوله صلى الله عليه وسلم : وليخرجن تفلات أي : غير متطيبات، وإنما أُمرن بذلك؛ لئلا يفتن الرجال بطيبهن، ويصرفوا أنظارهم إليهن، فيحصل بذلك الافتتان بهن، ويلحق بالطيب ما كان بمعناه كحسن الملبس وإظهار الحلي، فإن تطيبت أو لبست ثياب زينة؛ حرم عليها ذلك، ووجب منعها من الخروج، وفي " صحيح مسلم " وغيره : أيما امرأة أصابت بخورا؛ فلا تشهدن معنا العشاء الأخير .
وكذلك إذا خرجت المرأة إلى المسجد؛ فلتبتعد عن مزاحمة الرجال .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " يجب على ولي الأمر أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق ومجامع الرجال، وهو مسئول عن ذلك، والفتنة به عظيمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ... إلى أن قال : " يجب عليه منعهن متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكن بها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة الرقاق، ومنعهن من حديث الرجال؛ أي : التحدث إليهم في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك " انتهى . .
فإذا تمسكت المرأة بآداب الإسلام من لزوم الحياء، والتستر، وترك الزينة والطيب، والابتعاد عن مخالطة الرجال، أبيح لها الخروج إلى المسجد لحضور الصلاة والاستماع للتذكير، وبقاؤها في بيتها خير لها من الخروج في تلك الحال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : وبيوتهن خير لهن .
وأجمع المسلمون على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد؛ ابتعادا عن الفتنة، وتغليبا لجانب السلامة، وحسما لمادة الشر .
أما إذا لم تلتزم بآداب الإسلام، ولم تجتنب ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم من استعمالها الزينة والطيب للخروج، فخروجها للمسجد حينئذ حرام، ويجب على وليها وذوي السلطة منعها منه .
وفي " الصحيحين " من حديث عائشة رضي الله عنها : لو رأى - تعني : الرسول صلى الله عليه وسلم - ما رأينا، لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل فخروج المرأة إلى المساجد مراعى فيه المصلحة واندفاع المفسدة، فإذا كان جانب المفسدة أعظم؛ مُنعت .
وإذا كان هذا الشأن في خروجها للمسجد؛ فخروجها لغير المسجد من باب أولى أن تراعى فيه الحيطة والابتعاد عن مواطن الفتنة . وإذا كان هناك اليوم قوم ينادون بخروج المرأة لمزاولة الأعمال الوظيفية كما هو شأنها في الغرب ومن هم على شاكلة الغرب؛ فإن هؤلاء يدعون إلى الفتنة، ويقودون المرأة إلى شقائها وسلب كرامتها ... فالواجب إيقاف هؤلاء عند حدهم، وكف ألسنتهم وأقلامهم عن هذه الدعوى الجاهلية، وكفى ما وقعت فيه المرأة في بلاد الغرب ومن حذا حذوها من ويلات، وتورطت فيه من واقع مؤلم، تئن له مجتمعاتهم، وليكن لنا فيهم عبرة، فالسعيد من وعظ بغيره .
وليس لهؤلاء من حجة يبررون بها دعوتهم؛ إلا قولهم : إن نصف المجتمع معطل عن العمل، وبهذا يريدون أن تشارك المرأة الرجل في عمله وتزاحمه فيه جنبا إلى جنب، ونسوا أو تناسوا أو تجاهلوا ما تقوم به المرأة من عمل جليل داخل بيتها، وما تؤديه للمجتمع من خدمة عظيمة، لا يقوم بها غيرها، تناسب خلقتها، وتتمشى مع فطرتها؛ فهي الزوجة التي يسكن إليها زوجها، وهي الأم والحامل والمرضع، وهي المربية للأولاد، وهي القائمة بعمل البيت، فلو أنها أُخرجت من البيت، وشاركت الرجال في أعمالهم، من ذا سيقوم بهذه الأعمال ؟ ! إنها ستتعطل، ويومها سيفقد المجتمع نصفه الثاني؛ فماذا يغنيه النصف الباقي ؟ ! سيختل بنيانه، وتتداعى أركانه .
إننا نقول لهؤلاء الدعاة : ثوبوا إلى رشدكم، ولا تكونوا ممن بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، كونوا دعاة بناء ولا تكونوا دعاة هدم .
أيتها المرأة المسلمة ! تمسكي بتعاليم دينك، ولا تغرنك دعايات المضللين الذين يريدون سلب كرامتك التي بوأك منزلتها دين الإسلام، وليس غير الإسلام، ومن يبغ غير الإسلام دينا؛ فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين . وفقنا الله جميعا لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة .
يتبغ بإذن الله تعالى
|
|
صفاء الروح مراقب عام
عدد الرسائل : 3955 بلد الإقامة : أرض الإسلام احترام القوانين : العمل : الحالة : نقاط : 9810 ترشيحات : 102 الأوســــــــــمة :
| موضوع: رد: كتاب الملخص الفقهي 5/1/2010, 17:22 | |
| باب في بيان أحكام الإمامة
هذه الوظيفة الدينية المهمة التي تولاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وتولاها خلفاؤه الراشدون .
وقد جاء في فضل الإمامة أحاديث كثيرة؛ منها : قوله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة : وذكر أن منهم رجلا أم قوما وهم به راضون ، وفي الحديث الآخر، أن له من الأجر مثل أجر من صلى خلفه .
ولهذا؛ كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعلني إمام قومي لما يعلمون في ذلك من الفضيلة والأجر .
لكن مع الأسف الشديد؛ نرى في وقتنا هذا كثيرا من طلبة العلم يرغبون عن الإمامة، ويزهدون فيها، ويتخلون عن القيام بها، إيثارا للكسل وقلة رغبة في الخير، وما هذا إلا تخذيل من الشيطان .
فالذي ينبغي لهم القيام بها بجد ونشاط واحتساب للأجر عند الله؛ فإن طلبة العلم أولى الناس بالقيام بها وبغيرها من الأعمال الصالحة .
وكلما توافرت مؤهلات الإمامة في شخص؛ كان أولى بالقيام بها ممن هو دونه، بل يتعين عليه القيام بها إذا لم يوجد غيره :
- فالأولى بالإمامة الأجود قراءة لكتاب الله تعالى، وهو الذي يجيد قراءة القرآن، بأن يعرف مخارج الحروف، ولا يلحن فيها، ويطبق قواعد القراءة من غير تكلف ولا تنطع، ويكون مع ذلك يعرف فقه صلاته وما يلزم فيها؛ كشروطها وأركانها وواجباتها ومبطلاتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وما ورد بمعناه من الأحاديث الصحيحة، مما يدل على أنه يُقدم في الإمامة الأجود قراءة للقرآن الكريم، الذي يعلم فقه الصلاة؛ لأن الأقرأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يكون أفقه .
- فإذا استووا في القراءة، قُدم الأفقه - أي : الأكثر فقها - لجمعه بين ميزتين : القراءة والفقه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة أي : أفقههم في دين الله؛ ولأن احتياج المصلي إلى الفقه أكثر من احتياجه إلى القراءة؛ لأن ما يجب في الصلاة من القراءة محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور .
- فإذا استووا في الفقه والقراءة، قُدم الأقدم هجرة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام .
- فإذا استووا في القراءة والفقه والهجرة؛ قدم الأكبر سنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : وليؤمكم أكبركم متفق عليه؛ لأن كبر السن في الإسلام فضيلة؛ ولأنه أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء .
والدليل على هذا الترتيب الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء؛ فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فقدم النبي صلى الله عليه وسلم بالفضيلة بالعلم بالكتاب والسنة، فإن استووا في العلم؛ قدم بالسبق إلى العمل الصالح، وقدم السابق باختياره إلى العمل الصالح - وهو المهاجر - على من سبق بخلق الله وهو كبر السن " انتهى .
وهناك اعتبارات يقدم أصحابها في الإمامة على من حضر ولو كان أفضل منه، وهي :
أولا : إمام المسجد الراتب إذا كان أهلا للإمامة؛ لم يجز أن يتقدم عليه غيره، ولو كان أفضل منه؛ إلا بإذنه .
ثانيا : صاحب البيت إذا كان يصلح للإمامة؛ لم يجز أن يتقدم عليه أحد في الإمامة؛ إلا بإذنه .
ثالثا : السلطان، وهو الإمام الأعظم أو نائبه، فلا يتقدم عليه أحد في الإمامة، إلا بإذنه، إذا كان يصلح للإمامة .
والدليل على تقديم أصحاب هذه الاعتبارات على غيرهم ما رواه أبو داود من قوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في بيته ولا في سلطانه وفي " صحيح مسلم " : ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه وسلطانه محل ولايته أو ما يملكه .
قال الخطابي : " معناه : أن صاحب المنزل أوْلى بالإمامة في بيته إذا كان من القراءة أو العلم بمحل يُمكنه أن يقيم الصلاة، وإذا كان إمام المسجد قد ولاه السلطان أو نائبه أو اتفق على تقديمه أهل المسجد؛ فهو أحق؛ لأنها ولاية خاصة؛ ولأن التقدم عليه يسيء الظن به، وينفر عنه " .
مما تقدم يتبين لك شرف الإمامة في الصلاة وفضلها ومكانتها في الإسلام؛ لأن الإمام في الصلاة قدوة، والإمامة مرتبة شريفة؛ فهي سبق إلى الخير، وعون على الطاعة وملازمة الجماعة، وبها تعمر المساجد بالطاعة، وهي داخلة في عموم قوله تعالى فيما حكاه من دعاء عباد الرحمن وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
فالإمامة في الصلاة من الإمامة في الدين، ولا سيما إذا كان الإمام يبذل النصح والوعظ والتذكير لمن يحضره في المسجد، فإنه بذلك من الدعاة إلى الله، الذين يجمعون بين صالح القول والعمل، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فلا يرغب عن القيام بالإمامة إلا محروم، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
**************
باب في من لا تصح إمامته في الصلاة
إن الإمامة في الصلاة مسئولية كبرى، وكما أنها تحتاج إلى مؤهلات يجب توافرها في الإمام أو يستحب تحليه بها؛ كذلك يجب أن يكون الإمام سليما من صفات تمنعه من تسنُّم هذا المنصب أو تنقص أهليته له :
فلا يجوز أن يولى الفاسق إمامة الصلاة، والفاسق هو من خرج عن حد الاستقامة بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب التي هي دون الشرك .
والفسق نوعان : فسق عملي، وفسق اعتقادي : فالفسق العملي : كارتكاب فاحشة الزنى، والسرقة، وشرب الخمر ... ونحو ذلك . والفسق الاعتقادي : كالرفض، والاعتزال، والتجهم .
فلا يجوز تولية إمامة الصلاة الفاسق؛ لأن الفاسق لا يُقبل خبره، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا فلا يؤمن على شرائط الصلاة وأحكامها، ولأنه يكون قدوة سيئة لغيره؛ ففي توليته مفاسد .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تؤمن امرأة رجلا، ولا أعرابي مهاجرا، ولا فاجر مؤمنا؛ إلا أن يقهره بسلطان يخاف سوطه رواه ابن ماجه ، والشاهد منه قوله : ولا فاجر مؤمنا والفجور هو العدول عن الحق . فالصلاة خلف الفاسق منهي عنها، ولا يجوز تقديره مع القدرة على ذلك؛ فيحرم على المسئولين تنصيب الفاسق إماما للصلوات؛ لأنهم مأمورون بمراعاة المصالح؛ فلا يجوز لهم أن يوقعوا الناس في صلاة مكروهة، بل قد اختلف العلماء في صحة الصلاة خلف الفاسق، وما كان كذلك؛ وجب تجنيب الناس من الوقوع فيه . ولا تصح إمامة العاجز عن ركوع أو سجود أو قعود؛ إلا بمثله؛ أي : مساويه في العجز عن ركن أو شرط، وكذا لا تصح إمامة العاجز عن القيام لقادر عليه؛ إلا إذا كان العاجز عن القيام إماما راتبا لمسجد، وعرض له عجز عن القيام يرجى زواله؛ فتجوز الصلاة خلفه، ويصلون خلفه في تلك الحال جلوسا؛ لقول عائشة رضي الله عنها : صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك، فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف، قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ... الحديث، وفيه : وإذا صلى جالسا؛ فصلوا جلوسا أجمعون وذلك لأن الإمام الراتب يحتاج إلى تقديمه .
ولو صلوا خلفه قياما أو صلى بعضهم قائما في تلك الحالة؛ صحت صلاتهم على الصحيح، وإن استخلف الإمام في تلك الحال من يصلي بهم قائما؛ فهو أحسن؛ خروجا من الخلاف؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف؛ فقد فعل الأمرين؛ بيانا للجواز، والله أعلم .
ولا تصح إمامة من حدثه دائم؛ كمن به سلس أو خروج ريح أو نحوه مستمر؛ إلا بمن هو مثله في هذه الآفة، أما الصحيح؛ فلا تصح صلاته خلفه؛ لأن في صلاته خللا غير مجبور ببدل؛ لأنه يصلي مع خروج النجاسة المنافي للطهارة، وإنما صحت صلاته للضرورة، وبمثله لتساويهما في خروج الخارج المستمر .
وإن صلي خلف محدث أو متنجس ببدنه أو ثوبه أو بقعته، ولم يكونا يعلمان بتلك النجاسة أو الحدث حتى فرغ من الصلاة؛ صحت صلاة المأموم دون الإمام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا صلى الجنب بالقوم؛ أعاد صلاته، وتمت للقوم صلاتهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وبذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين؛ فإنهم صلوا بالناس، ثم رأوا الجنابة بعد الصلاة، فأعادوا، ولم يأمروا الناس بالإعادة، وإن علم الإمام أو المأموم بالحدث أو النجاسة في أثناء الصلاة؛ بطلت صلاتهم " .
ولا تصح إمامة الأمي، والمراد به هنا من لا يحفظ سورة الفاتحة أو يحفظها ولكن لا يحسن قراءتها؛ كأن يلحن فيها لحنا يحيل المعنى؛ ككسر كاف ( إياك ) ، وضم تاء ( أنعمت ) ، وفتح همزة ( اهدنا ) ، أو يبدل حرفا بغيره، وهو الألثغ، كمن يبدل الراء غينا أو لاما، أو السين تاء ... ونحو ذلك؛ فلا تصح إمامة الأمي إلا بأمي مثله؛ لتساويهما، إذا كانوا عاجزين عن إصلاحه، فإن قدر الأمي على الإصلاح لقراءته، لم تصح صلاته ولا صلاة من صلى خلفه؛ لأنه ترك ركنا مع القدرة عليه . ويكره أن يؤم الرجل قوما أكثرهم يكرهه بحق؛ بأن تكون كراهتهم لها مبرر من نقص في دينه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون رواه الترمذي وحسنه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " إذا كانوا يكرهونه لأمر في دينه، مثل كذبه أو ظلمه أو جهله أو بدعته ونحو ذلك، ويحبون آخر أصلح منه في دينه؛ مثل أن يكون أصدق أو أعلم أو أدين؛ فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الذي يحبونه، وليس لذلك الرجل الذي يكرهونه أن يؤمهم؛ كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال : ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم : رجل أم قوما وهم له كارهون، ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارا، ورجل اعتبد محررا
وقال أيضا : " إذا كان بينهم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب؛ لم ينبغ أن يؤمهم؛ لأن المقصود بالصلاة جماعة أن يتم الائتلاف، وقال عليه الصلاة والسلام : لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم ا هـ .
أما إذا كان الإمام ذا دين وسنة، وكرهوه لذلك؛ لم تكره الإمامة في حقه، وإنما العتب على من كرهه.
وعلى كل؛ فينبغي الائتلاف بين الإمام والمأمومين، والتعاون على البر والتقوى، وترك التشاحن والتباغض تبعا للأهواء والأغراض الشيطانية؛ فيجب على الإمام أن يراعي حق المأمومين، ولا يشق عليهم، ويحترم شعورهم، ويجب على المأمومين أن يراعوا حق الإمام، ويحترموه، وبالجملة؛ فينبغي لكل منهما أن يتحمل ما يواجهه من الآخر من بعض الانتقادات التي لا تُخل بالدين والمروءة، والإنسان معرض للنقص :
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ***** كــفى المـرء نـبلا أن تعـد معايبـه
هذا؛ ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق .
يتبع بإذن الله
|
|